المقالات : الصحة النفسية معيار الصحة البدنية !



الصحة النفسية معيار الصحة البدنية !

د. سليمان الزايدي

كنت دائماً ما أحاول أن أربط بين الاستمتاع بالحياة و كثير من مقوماتها فأقول كما يعتقد الكثير أن متعة الحياة أو بمعنى أخر جودتها مرتبط بسلامة الإنسان الجسمية و العقلية فالشخص المعافى في جسده و عقلة يستطيع أن يتعايش مع الحياة بشكل أكثر من العليل ، وكنت أحاول أن أربط هذا بتعريفات الصحة النفسية وهل يمكن لهذه التعريفات أن تؤكد هذا المفهوم. ثم أتوقف أمام أصحاء جسدياً وعقلياً لم يجدوا طعم الحياة ولم يحققوا هذا المفهوم.

وأتوقف أمام قصص ونماذج لأشخاص يعانون من الاعتلال المرضي و الإعاقات الصحية ومع ذلك يجدون أنفسهم و يحققون ذواتهم.

ولعلي هنا أشير لنموذجين عرفهما الناس، مباشرة النموذج الأول الداعية الفاضل عبدالله بانعمة . هذا الشخص الذي ما عرفناه و ما ذاع صيته و ما غزر إنتاجه وتأثيره في المجتمع إلا بعد أن أعيق جسدياً، وكأن إعاقة الجسد سبيل للتغير و من ثم الاستقرار.

ونموذج "عرفان" هذا الشخص العجيب الذي أصيب بمرض نادر افقده الحركة حتى أصبح لا يتحرك فيه إلا إصبع واحد من يده وهو "السبابة" هذا الأصبع كفيل بأن يجعله يتعلم اللغة الانجليزية ويؤلف بهذه اللغة "3" كتب وهو الآن يعكف على المؤلف الرابع ، أنه عرفان الذي لم يشتكي أبداً وهو لا يتحرك من 19 سنة.

ثم أعود لتعريفات منظمة الصحة النفسية لمفهوم الصحة النفسية لأجد ما يدعم هذه النماذج ويفسر هذه الحياة المتجدد عند هذه النماذج، فالصحة النفسية كما وصفتها منظمة الصحة العالمية : حالة من الكمال الجسدي والنفسي والعافية الاجتماعية وليست مجرد الخلو من المرض أو العجز.

ثمة ثلاث أفكار رئيسية لتحسين الصحة بحسب هذا التعريف وهي: ١ -الصحة النفسية هي جزء مكمل للصحة ٢ -الصحة النفسية أكثر من مجرد الخلو من المرض ٣ -تتعلق الصحة النفسية إلى أبعد مدى مع السلوك والصحة الجسدية.

إذاً حالة من العافية التي يحقق فيها الفرد قدراته الخاصة، ويمكن أن يتغلب من خلالها على الإجهادات العادية في الحياة، ويمكن أن يعمل بإنتاجية مثمرة، ويستطيع المساهمة في مجتمعه. إن هذا الإحساس الإيجابي الصحي النفسي هو القاعدة أو الأساس للعافية والوظيفة الفعالة من أجل الفرد والمجتمع.

قد يكون من المهم التمعن في كلمة " لا تعني الخلو من المرض" ولكنها تعني تحقيق الذات و تنمية القدرات و الإحساس الايجابي للذات و للآخر و للأمل القادم .

هذا الإحساس حتماً له علاقة بالاستقرار النفسي وهو عكس محاور القلق أو الاكتئاب والتي تبعث في الغالب على التشاؤم و بالتالي يتوقف التخطيط و التنظيم، وهنا يتوقف المختصون عند حالات التوافق الأسري و الاستقرار العائلي وهذا الارتباط العجيب بين هذه الروح التي تسكن الشخص وبين كل انجازاته و استقرار حياته.

لقد ربطت هذا بمقولة نفسية في العلاج المعرفي تقول " أن المشكلة ليست في المشكلة ولكن كيف أرى أنا المشكلة". ، وهذا يعطينا تفسيرات لتغير حجم المشكلات داخل الأسر فهي ليس بحجمها كمشكلة بل في طريقة النظر لها و التعاطي معها.

إن هذا المفهوم ينسحب على ثقافة المجتمعات فالمجتمع الشاكي الناقد المتذمر كثير البحث عن الصغائر يجعله مجتمع لا يتمتع بالصحة النفسية التي هي مكمن التطور و مكمن التقدم و الرقي.

إنني أستطيع أن أجزم يقيناً أن العمل على تحسين مستوى الصحة النفسية المرتبط بالإمكانيات الذاتية و بالثقة بالنفسي و الرغبة الحقيقة للتطور كفيل بأن يقضي على مشكلات المجتمع وقلل من "الهدر الاجتماعي" الذي يزيد من معاناة فقر المجتمعات و يزيد من تفككها.

وفي المقابل إن توفير مقومات الحياة و التي كفلتها جودة الحياة لها تأثير مباشر على تحسن الصحة النفسية لأفراد المجتمع ، ولعلي هنا أشير للارتباط الوثيق بين السلوك النفسي السوي وعلاقته بالأمراض الجسدية و الاجتماعية.

تتصاحب الحالة الصحية النفسية مع السلوك في مراحل الحياة المختلفة. وتشير البراهين بأن العوامل الاجتماعية التي تتصاحب مع الاعتلالات النفسية تتصاحب أيضاً مع تعاطي الكحول والعقاقير ومع الجريمة والتسرب من المدرسة. إن غياب المحددات الصحية ووجود العوامل الضارة له دوراً رئيسياً في احتمالات الخطر السلوكية الأخرى مثل السلوك الجنسي غير الآمن، والخمول البدني. وفوق ذلك ثمة تأثرات معقدة بين هذه المحددات وبين السلوك وبين الصحة النفسية، وعلى سبيل

المثال ربما يتصاحب نقص الاستخدام الهادف مع الاكتئاب وتعاطي العقاقير والكحول. التي قد تسبب بدورها في الإعاقة الفيزيائية وفقدان الوظيفة أو العمل. ولقد وصف كلينمان في عام١٩٩٩التعقد في المشاكل النفسية والاجتماعية الصحية في المجتمعات المحطمة وسرعة تحولها من مدن الأكواخ والأحياء الفقيرة.

ولقد دعا إلى برنامج العمل من أجل البحوث والسياسات والبرامج المبتكرة "التي يمكن أن تجنبنا ببساطة العبء الهائل للاعتلالات النفسية على صحة المجتمعات الناجمة عن مختف أنواع العنف الاجتماعي في عصرنا".

إن الصحة البدنية والصحة النفسية تتصاحب بطريقة حميمة من خلال الآليات المتنوعة، ولقد أظهرت الدراسات مثلا الارتباطات بين الاكتئاب والأمراض القلبية والوعائية وبرهنت عليها.

ولقد ترسخت الآن أهمية الصحة النفسية في الحفاظ على الصحة البدنية الجيدة وتوطيدها، وفي الشفاء من الاعتلالات البدنية، وكذلك فإن الحالات الصحية النفسية هامة جداً في تغيير الحالة الصحية للمجتمع كما سبق أن أشرت.

 
 
:: أرشيف المقالات

شركاء النجاح





استفتاء الموقع

اعلان جانبي

القائمة البريدية


        الإسم


        البريد الإلكتروني

 إشتراك  إلغاء الإشتراك